اذا كانت الشام هى بوابة مصر الشرقية والتى جاء عبرها معظم الأعداء أو القوى الخارجية التى سعت لاحتلال مصر والهيمنة عليها ، فإن غزة هى مفتاح هذه البوابة من وإلى مصر ، فلابد للفاتحين من الخارج إلى مصر أو للفاتحين من مصر أن يمروا عبرها . فهذا الطريق الساحلى كان شبه إجبارى للدخول أو الخروج من مصر . ولذلك فقد لفت انتباهى إعلان مسئولى الآثار منذ عدة أسابيع إكتشاف أكبر قلعة مصرية فى العهد الفرعونى فى رفح !! بينما حكامنا يبيعون رفح المصرية والفلسطينية بالكيلو ، كالجهال الذين يبيعون الكتب الثمينة بالكيلو للحصول على قروش تسد جوعتهم وإن كان هؤلاء لهم عذرهم من الجهل أو الجوع فإن حكام مصر لاينطبق عليهم ذلك ، فهم مجرمون فى حق الوطن بدون التباس وإن كانوا جهلاء فجهلهم حجة عليهم ، فليس للجهلة مكان فى دست الحكم . ورحم الله أياما كان الحكام فيها مثقفين ويقرضون الشعر ويناقشون العلماء.
وجهلهم حجة علينا فكيف تركناهم يتحكمون فى مصير جزء من خير أمة أخرجت للناس ؟!
************
مدينة غزة قديمة قدم التاريخ فهي وليدة عصور متتالية وقرون طويلة، تركت بصماتها فيها، وتركت هي أيضاً بصماتها على مدى السنين وتوالي الأيام، وكان من أقدم من سكن غزة القبائل الكنعانية وسجل التاريخ أن الكنعانيين هم العرب الأوائل الذين يرجعون بأنسابهم إلى العمالقة، وجاءت هجرتهم مد للموجات السامية التي أخذت طريقها إلى البلاد، ويذكر المؤرخون أن مدينة غزة يعود تاريخها إلى 4000- 3500 سنة قبل الميلاد.
وقد سميت فلسطين في ذلك الوقت بأراضي كنعان، كانت غزة تمثل الحد الجنوبي من أرض كنعان التي امتدت إلى الشمال في عكا وصيدا.(1)
وعلى خلاف الشائع فإن غزة ذكرت فى النص التوراتى المتداول لدى اليهود الآن ولكنها ذكرت بالسوء
فقالوا في الإصحاح الثاني من سفر صفينا إن غزة تكون متروكة، واشكلون للخراب.
وذلك لشدة ماعانى العبريون من مقاومتهم وشدتهم فى القتال.
وأشكلون هى عسقلان القريبة جدا من غزة والتى تعد جزءا لايتجزأمن منطقة غزة ولكنها الآن فى فلسطين المحتلة عام 1948 وتسقط عليها صواريخ المقاومة من غزة كل يوم الآن .
عندما مر سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام ببيرسبع مع هاجر واسماعيل (2) فلابد أنه حف أو مر بغزة وهو داخل إلى مصر و خارج منها ، وهناك رواية تقول إنه خلال عودته من فلسطين إلى مصر مر بجوار غزة ، حيث التقى أبا مالك أمير غزة (3). ولعل سيدنا يعقوب ويوسف مرا أيضا من طريق غزة . والمرويات تتحدث عن أن سيدنا يعقوب كان يقيم مخيمه فى محيط بلدة نابلس(4) الواقعة الآن تحت الاحتلال ، والتى يركز الصهاينة الآن على اجتثاث المقاومة فيها بالتعاون مع أجهزة عباس العميلة حيث وافقت اسرائيل على إدخال 50 مدرعة للأمن الفلسطينى .وهناك رواية أخرى تقول أنه كان يعيش فى محيط الخليل (5). وولد عيسى بن مريم عليه السلام فى بيت لحم وحملته أمه إلى مصر ولابد أنه مر أو حف بغزة . حتى الجيوش كانت لاتملك إلا أن تسلك الطريق الساحلى الذى يمر بغزة عندما تغزو مصر من فلسطين فكيف لهذه الرحلة المدنية التى حملت رسول الله طفلا.
أما قصة شمشون فهى مروية فى التوراة ولايوجد لدينا فى القرآن إشارة إليها لذلك نأخذها بتحفظ ونتعامل معها كمروية تاريخية . شمشون كان أحد قادة بنى اسرائيل حارب الفلسطينيين وأزعجهم ولكنهم أخيرا أسروه وقلعوا عينه وحبسوه حتى مات فى غزة وقبره هناك معروف تحول إلى جامع شرقى المدينة ويقال له " أبو العزم شمشون الجبار". ويمكن مراجعة سفر القضاة ص13 ، وكانوا ينسبون سبب قوته إلى استرسال شعره فإذا طال قوى وإن قصر ضعف ويقال : إنه نزل يوما إلى أشكلون ( عسقلان ) وقتل ثلاثين رجلا فلسطينيا وأخيرا أسره الفلسطينيون ومات فى غزة كما ذكرنا ( 6) . وتقول التوراة المحرفة انه أحب امرأة فلسطينية عرفت منه سر قوته وأنها فى شعره فاحتالت عليه وحلقته وقبض عليه الفلسطينيون وسلسلوه ودعوه إلى حفل وكان شعره بدأ ينمو فعادت إليه قوته فلمس عمد البيت فخر السقف على من فيه فقتل 3 آلاف من الرجال والنساء والأطفال فكان من قتلهم فى موته أكثر ممن قتلهم فى حياته. ولايهمنا الآن دراسة مدى صدقية هذه الرواية ومن هو الطرف الشرير فيها والطرف الخير ، وقد يكون شمشون هو الطرف الخير وإن كانت التوراة المحرفة قد نسبت له أمورا عديدة غير أخلاقية( 7) ولكننا نركز الآن على محورية دور غزة فى تاريخ أمتنا . وعندما كنا صغارا نقرأ هذه القصة لم يذكر لنا أن أحداثها جرت فى فلسطين أو فى عسقلان وغزة بالتحديد .
ولأهمية غزة وموقعها الاستراتيجى - ولا أدرى إن كان الفلسطينيون أنفسهم يعلمون - فهى التى أعطت لفلسطين اسمها فلسطين !!
فرغم أن الكنعانيين أقدم وجودا فى فلسطين وهم من أصل سامى عربى على الأغلب فان شعوب البحر التى جاءت من الغرب من جزر البحر المتوسط ومحيط بحر ايجه أو غرب الأناضول وهى منطقة واحدة ممتدة ، هؤلاء الفلسطينيون الذين جاءوا غزاة ثم استوطنوا واندمجوا مع الكنعانيين أقاموا مدنهم الأولى فى جنوب فلسطين ، فعندما قاتلهم رمسيس وقهرهم أسكنهم الساحل مابين يافا وغزة وكانت لهم 5 ممالك أو مدن عظيمة : غزة ، عسقلان ،وأسدود ، وعقرون ، وبيت دجن وفى قول آخر : جت .
وأول من أطلق على فلسطين اسم فلسطين هم اليونان والرومان نسبة إلى سكانها الفلسطينيين الأقدمين الذين لم يتوطنوا إلا الساحل مابين يافا وغزة وكانت " فلسطيا" لاتشمل سوى هذه البقعة الضيقة فقط ولبقاعها الأخرى أسماء خاصة بها . (8)
************ *****
فى عهد الدولة المصرية القديمة التى شهدت بناة الأهرام كان الحكام الأقوياء والناجحون يهتمون أيما اهتمام بشبه جزيرة سيناء ولإحكام ربطها بمصر الوادى والدلتا بخوض حملات متوالية على القبائل المتمردة ولتأمين الطرق الى الشام للفتح أو للتجارة ولجعلها المصد الدفاعى الأول فى أى حالة عدوان وبالاضافة لكل ذلك لعمليات التعدين الواسعة فى أراضيها ( لاحظ الفرق بين القدماء المصريين وحكام اليوم الذين لايعرفون عن سيناء إلا أن تكون منتجعا سياحيا .. ولامانع أن يكونوا من الأعداء المحاربين الاسرائيليين !!).
نحن لم نصل إلى غزة بعد ولكن سيناء أشبه بالقربة وغزة هى فوهتها وهى جزء لايتجزأمنها كما هى جزء لايتجزأمن فلسطين من الناحية التاريخية البعيدة والجغرافية ، وهى أشبه بنقطة انتقال بين مصر وفلسطين ففيها من تكوينة الطرفين نصيب مفرو
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ